الجِذم واللُغَيّات والأعدال

كلمات اللغة “لاتفنى” ولا تختفي الى الأبد، الكلمة التي يُعتقد انها تعرضت للفناء ولم تعد موجودة، هي في الواقع لاتزال “حية ومُنتِجة” ولكن بصيغ اخرى طرأ عليها بعض التغيرات الصوتية والصرفية والدلالية.

الكلمة الأصلية، التي اشتقت منها هذه الصيغ الجديدة، تسمى “جِذم/etymon”.

اذا كانت الصيغة الأخرى تتطابق مع “الكلمة الجذم” في المعنى والدلالة، تسمى “لُغَيّة/byform”، والجمع “لُغَيّات”. أما إذا إختلفت دلالتها إختلافاً طفيفاً عن الكلمة الأصلية، فتسمى تلك الصيغة الأخرى: “عديلة/doublet” والجمع “أعدال”، وإذا كان هذا الإختلاف كبيراً: سميت: “عديلة بعيدة/distant doublet”.

أهمية هذا الأمر تتمثل في أن: بعض الصيغ المتفرعة قد تحتفظ بدلالة قديمة، لم تعد تعتبر من دلالات صيغة أخرى لنفس “الجذم”.

الـ”الجذم/etymon” هو: “كلمة قديمة تطورت منها كلمات أخرى، عبر تغيرات صوتية، قد تؤثر على الدلالة، جزئياً أو كلياً”. مثال لذلك: “عصَر، يعصر”، و: “حصَر، يحصُر”، الجذم لكل منهما هو “صَرّ، يصُر“. (الحاء والعين في حصر وعصر، مكتسبة).

الـ”لُغَيّة/byform”،(جمعها لُغَيّات)، ، تُعرّف بأنها: “صيغة لفظية (phonetic form)، أخرى للجذم، غالباً ما تكون أقل شيوعاً واستخداماً من الصيغة الأصلية”. مثال لذلك: الكلمة العربية: “صاقعة” التي تعتبر لُغَيّة في: “صاعقة“.

الـ”العديلة/doublet”،(جمعها أعدال)، هي: “كلمة قد تبدو مختلفة عن كلمة أخرى، ولكن تشترك معها في جذم قديم له جذر دلالي أولي”. الـ”الجذر الدلالي”: هو “المعنى الأصلي للجذم، الذي تطورت [بعيداً عنه] معاني الصيغ التي أشتقت من هذا الجذم”. مثال لذلك: “ضاحية”، و”ضيعة”. وكذلك: “نور“، “نار” و “نهار“، هذه الكلمات الثلاث تعتبر “أعدال”، من جذم قديم واحد. مثال آخر أوضح وهو “صيت“، “صوت“، و”صدى” (الدال هي التاء المجهورة).

جِذم ← لُغَيّة ← عديلة ← عديلة بعيدة.

مثال : صَر ← زَر ← عَصر ← صَهر.

لُغَيّة:

الكلمة اللغوية، كما هو معروف، قد تظهر بصيغة واحدة فقط، ذات دلالة واحدة فقط، ثم ما تلبث أن تتحول الى جذم، تشتق منه صيغة أخرى. هذه الصيغة الأخرى قد تكون “لُغَيّة“، أي مجرد طريقة لفظ أخرى لـ”الكلمة الجذم“، مثل: “أراق و أهرق“، “حلق و حلقوم“، “الحِنّاء و الهِنّاء“، إلخ.

عديلة:

في حالات معينة، هذه الصيغة الثانية، أو”اللُغَيّة”، قد تحتفظ بالدلالة الأصلية الى جانب دلالة فرعية جديدة، تميزها قليلاً عن “الكلمة الجذم“، ولكن ضمن المعنى العام للصيغتين، مثل: “نعق” و “نهق“. الصيغة الثانية في هذه الحالة، لم تعد: “لُغَيّة” بل أصبحت: “عديلة/doublet”.

-“نعق” و “نهق” وهما في الأصل صيغتين للجذم: “نق، ينق” لأن أصوات الحلق والحنجرة: “الهمزة، والهاء، والحاء، والعين” هم من الناحية التاريخية أصوات زائدة وليست أصلاً في بناء الكلمة، ولكن يحدث أن توظفها اللغة لـ”تنويع دلالة الكلمة” التي تلحق بها هذه الأصوات الأربعة.

عديلة بعيدة:

في حالات أخرى، هذه العديلة، قد تتطور، مع مرور الوقت، صوتياً ودلالياً وصرفياً، لتصبح شديدة الاختلاف عن الكلمة الجذم. في هذه الحالة، قد تُعتبر هذه الصيغة الثانية: “عديلة بعيدة/distant doublet”، تبدو كما لو كانت “كلمة أخرى” لاعلاقة لها بالكلمة الجذم مثل: “ذهبي” و”أصهب“.

– “ذهبي” و “أصهب”، كلمتان لهما نفس المعنى (مرادفات)، لأن الأصهب هو الذهبي، والذهبي هو الأصهب.
“أصهب” (وبالتصغير: صُهيب) صفة لذو الشعر الأشقر الذهبي، مشتقة من الصُهبة، أي الصفرة ولذلك يقال للأسد صُهيب لغلبة اللون الأصفر على شعره.
الكلمة الجذرية من “صهبة” هي: “صَهَبَ“.
“الذال” (ذ)، صوت أسناني نادر، يحل في الغالب محل “السين” (س).
وعليه، كلمة :”ذهب” يمكن ان تنطق “سهب” وبتفخيم السين الى صاد، تصبح: “صهب“.
إذن يمكن القول، أن: “أصهب” و”ذهبي”، أعدال (doublets)، تعودان الى كلمة جذمية واحدة.

للتثبت أكثر، ننتقل الى كلمة أخرى شبيهة وهي “ذَهَبَ، يذهب” أي غادر وابتعد. “ذهبَ” هذه، لها نفس بناء وأصوات كلمة “الذهب” (المعدن)، لكنها كلمة مختلفة تماماً. أحد أوجه الشبه بينهما هو أن “الذال” فيها حلت محل “السين” الأصلية أيضاً.
ذهب > سهب > وبحذف الهاء تصبح > “سب”. ( “الهمزة، والهاء، والحاء، والعين” أصوات، تاريخياً، زائدة.)
“سب” هذه، هي الكلمة الجذرية لـ”ساب، سيب، يُسيّب”.

جاء في (معجم اللغة العربية المعاصر): “ساب العصفورُ، أي ذهب حيث يَشاء”. وجاء في (لسان العرب): “ما سُيِّبَ وخُلِّي فسابَ ، أَي ذَهَبَ” .

إذن يمكن القول، أن الذال في: “ذَهَبَ” أصلها سين. (في الآرامية والعبرية الذهب ينطق: זהב زهب). والزاي وجه من وجوه السين تسمى”السين المجهورة”.

التغيرات الصوتية تشمل:
1- القلب المكاني مثل: “صاقعة” و”صاعقة”، الفرق هو “قلب مكاني” بين “القاف” و”العين” في الصيغة الثانية، لأن الصاقعة من أسماء الصاعقة.

2- الإبدال الصوتي مثل: “مد” و “مط”، الفرق هو إبدال الـ”دال”” طاءاً” في الصيغة الثانية، لأن المعنى الأصلي للكلمتين واحد. وهناك أيضاً: “وكر – وجر“، “حِنّاء – هِنّاء“، إلخ.

3- الطرح والزيادة مثل: “جثة – جثمان“، “مر – مرق“، “كب – نكب“، “مس- لمس“، “أراق – أهرق” وغيرها كثير.

الزيادة” الصوتية تحديداً، مهمة بشكل خاص في هذا البحث . زيادة صوت أو مقطع، قد يُنوّع دلالة الكلمة أو قد لا يُحدث تغيير يذكر. من أمثلة ذلك كلمة “أهرق” وهي لغة في “أراق”، جاء في المعاجم العربية: “أهْرَقَ الْمَاءَ = أَراقَ الماء، أي صَبَّهُ، سَكَبَهُ”، زيادة صوت “الهاء” في “أهرق” لم تغير الدلالة.

أيضاً “كب و نكب“، المعنى الأصلي هو: “عَكْس الإتجاة”، ومن ذلك “الإنقلاب”، مثل: “نَكَبَ الجَعْبَةَ: قلبّها ونثر ما فيها” و”كب الإناء: قلبه على رأسه“، زيادة صوت “النون” في “نكب” لم تغير الدلالة الأصلية.

وبالمثل “مس و لمس“، لهما نفس المعنى الأصلي: “مسَّ الشَّيءَ: لمَسه بيده“، زيادة صوت “اللام” في “لمس” لم تغير الدلالة الأصلية.