الأحقاف ومعانيها

الأحقاف ومعانيها

الأحقاف ومعانيها: «الأحقاف»، إسم مكان (طوبونيم) ورد ذِكره لمرة واحدة فقط في القرآن الكريم، ولم يُذكر في أي مصدر آخر، لا في أقوال وأشعار العرب قبل الإسلام، ولا في النصوص السامية أو الإغريقية والرومانية القديمة. المفسرون الأوائل إختلفوا في تأويل معنى «أحقاف»، ولا زال هذا الإختلاف قائماً حتى اليوم.

«أحقاف» وردت في القرأن الكريم كإسم لمكان عاش فيه النبي هود مع قومه: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} (سورة الأحقاف)، {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}. (سورة هود).

الثابت أن «الأحقاف» صيغة جمع، لكلمة : «حقف»، المشتقة من مادة معجمية متعددة الإشتقاقات (لكسيم) ومتعددة الدلالات (بوليسيمي)، لكن هذه الإشتقاقات والدلالات تنطلق من جذر واحد، مما يساعد على الوصول الى المعنى السياقي الأصلي لـ«أحقاف».

هذا الجذر الواحد هو الجذر السامي القديم: [k-p] أو [k-b]، الذي تشمل دلالته الأصلية: التوقف والتقوس والتحدب والتقعر، كما سنرى لاحقاً.

المعاجم القديمة أهملت كلمات ودلالات فصيحة

في البداية، من المهم الإشارة الى أن بعض اللغويين القدماء والمحدثين أدركوا نقص وقصور المعاجم المصنفة في العصور الإسلامية الأولى.

تلك المعاجم أهملت الكثير من الكلمات والدلالات التي كانت فصيحة ودارجة على لسان العامة في زمانهم.

يقول أبو منصور الأزهري صاحب كتاب «تهذيب اللغة»، الذي اعتمد عليه ابن منظور في تصنيف معجم «لسان العرب»:

«ولو أنني أودعت كتابي هذا ما حوته دفاتري، وقرأته من كتب غيري، ووجدته في الصحف التي يكتبها الوراقون، وأفسدها المصحفون، لطال كتابي».

ويقول د. محمد جبل في كتابه «الاستدراك على المعاجم العربية»: «لقد جهد الأئمة اللغويين في تدوين ثروة اللغة العربية من متن اللغة، ووضعوا المعايير لما ينبغي أن يعتد به من الكلام فيدون، و ما لا ينبغي فيهمل، وكان من الطبيعي إزاء سعة العربية تلك أن تند عنهم نواد فلا تدون، كما أن غيرتهم على العربية جعلهم يتشددون في معايير ما يقبل ويدون، وما لا يقبل ولا يدون ، فأغفلوا من تلك الثروة اللغوية قدراً كبيراً طيباً لأن معاييرهم لم تجزه. وهذه الثروة اللغوية الضائعة – أعنى ما ند عن المعاجم من المفردات والعبارات الداخلة في نطاق ما يحتج به، وما أغفله اللغويون عمداً لأنه خارج عن نطاق ما يحتج به حسب معاييرهم – هي موضوع هذا الكتاب».

لغويون آخرون يؤكدون أن اللهجات العربية تزخر بكلمات فصيحة (أو دلالات إضافية لتلك الكلمات) أهملتها المعاجم القديمة.

«أحقاف» في اللهجات العربية

لعل من بين هذه الدلالات المهملة، أن كلمة «أحقاف» قد تأتي بمعنى «كهوف»، كما هو الحال في لهجات عرب شمال أفريقيا وغرب مصر.

في اللهجات العربية هناك، المغارة في الجبل، تسمى: «حقفة» وتُجمع: «أحقاف». في السطور التالية سنبحث عن (وجه الدلالة) هذا، لكلمة «أحقاف» أي المغاربية: «كهوف» ( أو أكهاف).

حقفة الضبعة ( كهف الضبعة ) في ليبيا

بعض دلالات «حقف» في المعاجم القديمة:

ورد في لسان العرب لإبن منظور أن: «كل موضع دُخل فيه فهو حِقْفٌ، ورجل حاقِفٌ إذا دخل في الموضع».


إذن، وفاقاً لهذا التعريف، «حقف» تأتي بمعنى: «موضع» أي «حجرة»، يمكن الدخول فيها، والإختباء داخلها.

«لسان العرب» يشير كذلك الى أن الحقف هو: «أصل الجبل»، (الأَصْلُ : أَسفل كل شيء).

أي أن المقصود هنا بـ«أصل الجبل» هو: «حقف الجبل».

وجاء في «تاج العروس» للزبيدي، أن: «حقف الجبل: ضبنه».

أي أن «حقف الجبل» تعني: «ضبن الجبل».

من معاني كلمة «ضبن»: «الحضن»

أي أن «ضبن الجبل» تعني: «حضن الجبل».

ومن معاني الحضن : «الوِجار» (وتنطق أيضاً: الوِجر).

الوِجار (وفقاً للمعاجم العربية) هو «الحِجر” (أي: الموضع المنيع). و«الوِجر» : «مثل الكهف يكون في الجبل»، و «وَجرُ الْحَيَوَانِ» : «الْمَغَارَةُ الَّتِي يَأْوِي إِلَيْها فِي الْجَبَلِ».

إذن الوجار والوجر هو الحِجر والكهف والمغارة، وهو من معاني الحضن.

والحضن هو الضبن. وعليه، يمكن القول أو «ضبن الجبل» هو الحِجر في الجبل أو الكهف والمغارة.

ولأن الضبن هو الحقف، إذن الحقف يمكن أن يكون «الحِجر» أو«الكهف» أو«المغارة».

وهذا يتطابق تماماً مع معنى «أحقاف» في لهجات عرب شمال أفريقيا وغرب مصر.

“حَقفة رومل”، الكهف الذي اتخذه ( إرفين روميل) مقراً لقيادته للقوات الألمانية في شمال أفريقيا.

لماذا الربط بالرمال؟

عند الحديث عن معنى الاحقاف، كثيراً ما يتم ربطها بالرمال أو «جبال الرمل»! هذا الربط قد يكون نتيجة عدم تمعن فيما تقوله المعاجم القديمة بهذا الخصوص.

التعريفات الدلالية في تلك المعاجم يغلب عليها الإسترسال المضطرب، ومحاولة التوفيق بين اقوال أهل اللغة في معنى هذه الكلمة او تلك.

هذا الأمر يتضح في الخلط بين التخصيص والتوسع.

فقد يبدأ المعجمي بذكر المعنى الموسع للكلمة، بدون الإشارة الى أن هذا المعنى يعتبر توسع في دلالة الكلمة، التي كانت تخص فقط صفة أو جزء من أجزاء المدلول.

وقد يستدرك هذا الامر لاحقاً ليقول لنا أن الدلالة الأصلية لهذه الكلمة أضيق بكثير مما ذكره في بداية الحديث.

الاحقاف والرمال على هذا المنوال، ففي لسان العرب نقرأ أن الحقف ياتي بمعنى:«جبل الرمل» ثم لاحقاً يُخَصِص هذا المعنى ويقول: الحقف هو:«أصل جبل الرمل»!

أصل الشيء: أسفله، والمقصود هو الجزء السفلي الغائر من كثيب الرمل المتقوس. وليس جبل الرمل نفسه.

معنى الأحقاف
(أحقاف من الرمل) وليست أحقاف بالمطلق.

علامة ذلك، المثال الشهير: أن النبي رأى «ظبياً عاكفاً في حقف من الرمل». أي أن الرمل يمكن ان يكون على هيئة «حقف» أو تجويف غائر (يتسع للظبي العاكف)، أما كثيب الرمل نفسه فليس بحقف، مالم يتقعر أسفله.

من ناحية أخرى، القول بأن قوم هود كانوا ينزلون الرمال أو أن منازهم كانت الرمال.

الصحراء الرملية يسميها العرب القدماء “الرملة” ولازالت تعرف بهذا الاسم بين أبناء البادية.

الرملة، من نزلها فقط هلك! لأن الناس تنزل أطراف الأودية، والبراري ذات الماء والكلأ، ولا تقرب الكثبان الصفراء الا للعبور الإضطراري. جاء في القرأن الكريم على لسان النبي هود: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ).

الجنات هي المزارع والبساتين، أما العيون فهي الينابيع الغزيرة، ذات الفجاج الواسعة، كأنها بحيرات عذبه.

وفي موضع آخر: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا، بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).

إذن، هم كانوا يعيشون في بلاد ذات عيون وينابيع غزيرة، تحفها المزارع والبساتين. وبالجوار أودية خصيبة تهطل عليها الأمطار، وأستغربوا لإنقطاعها، وظنوا أن هذه الإعصار القاتل، مجرد تكرار للرياح المبشرة بالأمطار، التي أعتادوا عليها سابقاً.

تأثيل «حقف»

«حقف» كلمة عربية متعددة الصيغ (by-forms) والأعدال (doublets) وتعود الى الجذر السامي القديم: [k-p] أو[k-b].

تلك الصيغ والأعدال (داخل المعجم العربي) تشمل:

1- حقف. من الجذر: [ح.ق.ف].

2- قحف. من الجذر: [ق.ح.ف].

3- قف. من الجذر: [ق.ف].

4- كف (ومنها كِفّة). من الجذر: [ك.ف].

«الكِفّة» (صيغة تأنيث من: كِف) والتي تعني: «النقرة التي فيها عين الماء» (أي التجويف الذي يخرج منه النبع). والنقرة هي: الحفرة، ومنها المِنْقَرُ: وهي «بئر ضيقة الرأْس تحفر في الأَرض الصُّلْبَةِ».

«كف» هذه، من الواضح أنها الصيغة الأصلية لكلمة: «كهف»، لأن «كهف» لاتزال تنطق في بعض مناطق الجزيرة العربية «كف» بدون «الهاء»، ولأن هذه «الهاء» من الأصوات الأربعة (الهمزة، الهاء، الحاء والعين) غير الأصيلة، من الناحية التاريخية (أو الدايكرونية).

5- كهف. من الجذر: [ك.هـ.ف].

6- قب. من الجذر: [ق.ب].

7- عكف. من الجذر: [ع.ك.ف].

8- عقف. من الجذر: [ع.ق.ف].

9- عقب. من الجذر: [ح.ق.ب].

10- كعب. من الجذر: [ك.ع.ب].

11- غاب. من الجذر: [غ.ب].

12- خفيَ (ومنها يُخْفي). من الجذر: [خ.ف].

13- خبّأ (ومنها يُخْبِي). من الجذر: [خ.ب].

14- حجب. من الجذر: [ح.ج.ب].

15- عجب. من الجذر: [ع.ج.ب].

16- جُب، (ومنها جيب وجوبة). من الجذر: [ج.ب].

17- جوف. من الجذر: [ج.ف].

وغيرها كثير.

كل هذه الكلمات تفيد (في الأصل): التوقف ثم الإنحراف والتقوس والإستدارة والتقعر (أو التحدب)، وكذلك النزول، (جنوباً أو الى الأسفل)، والتواري عن الأنظار.

ملاحظات:

1- الأصوات الاربعة (همزة،هـ،ح،ع)، من الناحية التاريخية، ليست أصلاً في بناء الكلمة، وإنما اضيفت الى الجذر الأصلي للكلمة في وقت لاحق، (خلال مراحل تطور اللغة) بهدف إشتقاق صيغ جديدة ودلالات فرعية تُغني اللغة. والمطلوب هو حذف هذه الأصوات من الجذور السابقة.

2- الفاء (f) صوت غير أصيل، والغرض من وجوده هو الحلول محل الباء المهموسة السامية: (p)، لأن هذه الباء غير موجودة في اللغة العربية. والمطلوب هو العودة الى الأصل، أي الى الـ(ب).

3- القاف (q) صوت لهوي يسمى (الكاف اللهوية) أو (الكاف المفخمة) ويحل محل الـ(ك). والمطلوب هو إزالة هذا التفخيم، والعودة الى الأصل، أي الى الـ(ك).

4- الغين (ġ) صوت لهوي يسمى (القاف الرخوة) أو (القاف الإحتكاكية) ويحل محل الـ(ق). والمطلوب العودة الى الأصل، أي الى الـ(ق)، ثم بعد ذلك الى الأصل البعيد، أي الى الـ(ك).

5- الخاء (kh)، وجه من وجوه الـ(ك) ويمكن ان يحل محله.

الفرق الوحيد بين الكاف والخاء، هو أن الأول [وقفي شديد] والثاني [احتكاكي رخو]. ولذلك يسمى الخاء: (الكاف الرخوة/ Fricative k). هذه الكاف (الاحتكاكية او الرخوة او اللينة) يمكن ملاحظتها عند النطق البطيء لكلمة (كــ…خ) وكلمة (خـ…ك)، في الأولى، اللسان ينخفض سامحاً للهواء بالخروج ببطء مما يولد صوت (الخاء)، اما في الثانية فاللسان يرتفع مغلقاً مجرى الهواء مما يولد صوت (الكاف).

هذه الظاهرة دفعت علماء الصوتيات الى اعتبار الخاء (صوتاً فرعياً) للكاف: (ألوفون/allophone) وليس صوتاً مستقلاً (فونيم/phoneme). في اللغات السامية، يرى العلاّمة الألماني (Gesenius) ان الصوت الوقفي الشديد هو الأصل، لشيوعه في كل الساميات، اما الصوت الرخو الاحتكاكي فما هو الا طريقة نطق مختلفة للوقفي. ومن ذلك (الخاء) الذي لايعد صوتاً اصيلا بل تبديل (ألوفوني) لصوت الكاف الأصلي الوقفي.

أمثلة من اللغة العربية:

كِن – خِن: وعاء، تجويف، فجوة، مسكن، مخدع.

سكّين – سخّين: مُدْية، آلة يُذبح بها أو يقطع.

كسف – خسف: الكسوف والخسوف بمعنى واحد، فَيُقال: كسفت الشمس وخسفت، وكسف القمر وخسف.

كنع – خنع: ذّل وخَضع.

خالد – كالد: قديم، ازلي، باق.

كبن – خبن: تقصير الاكمام او اللباس بطيه وخياطته.

أمثلة من الأكدية، أقدم لغة سامية:

(كنشو/kanšu) وتنطق أيضاً: (خنشو/khanšu)، وهي العربية: (خنس).

(كلدو/kaldu) وتنطق أيضاً: (خلدو/khaldu)، وهي العربية: (الكلدان).

(خَمو/ khāmū) وهي العربية: قَمَّ، (القمامة).

هذا قد يعني ان الخاء الاحتكاكية الرخوة ، لها اصل: (وقفي شديد)، وهو في هذه الحالة: صوت الكاف.

مع ملاحظة ان غياب هذا الاصل الـ(وقفي الشديد)، لايعني عدم وجوده في مرحلة ما، من مراحل تطور اللغة.

مثال ذلك كلمة: (خبن)، وتعني تقصير الاكمام او اللباس بطيه وخياطته، (خبن) هذه، لاتزال مستخدمة في بعض العاميات حتى الآن.

المعاجم العربية القديمة سجلت نطق ممات لكلمة: (خبن)، وهو: (كبن)، ووفقاً لما سبق يمكن القول ان الأصل هو: (كبن) وليس: (خبن).

التنقل بين (الرخاوة والشدة) في الصوت الطبقي المهوس، قد لايكون واضحاً، بسبب القلب المكاني والابدال الصوتي والتفرع الدلالي.


المراجع (references)

01 – ويكيبيديا/الأحقاف


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *