الكاف وأخواتها (3)

الجيم المُرَكّبة المجهورة: [ج] والجيم المُرَكّبة المهموسة: [چ]

الجيم المُرَكّبة المجهورة: [d͡ʒ]

الكاف وأخواتها (1) .. أضغط هنا

الكاف وأخواتها (2) .. أضغط هنا

تُعد الجيم المُركّبة من أكثر الفونيمات صعوبة وتعقيداً، والخلاف بين الباحثين، حديثاً وقديماً، حول طبيعة وتاريخ نشأت هذا الصوت، خلاف لاينتهي. لكن الرأي الغالب بين اللغويين هو ان (الجيم المُركّبة المجهورة) هي الجيم العربية القياسية، وأنها هي: (الجيم الفصيحة) أو (الجيم القرآنية). هذه الجيم القوية تُنطق في العاميات العراقية وبعض اللهجات المصرية والمغاربية وفي نواحي الجزيرة العربية.

(الجيم المُركّبة المجهورة) صوت لايوجد في اللغة السامية الام، ولا في شقيقاتٍ للغة العربية مثل الآرامية والعبرية والسريانية والمندنائية والنبطية. الأكثر من ذلك ان علماء الساميات يرون ان العربية هي الأخرى كانت تفتقد هذا الصوت عند نشأتها، وانها اكتسبت الجيم المُركّبة في مرحلة ما من مراحل تطورها، ويستشهدون بعدم وجودها الآن في مناطق واسعة من اليمن وعمان، وهي المناطق التاريخية لنشأة اللغة العربية. الصوت الذي يحل محل الجيم في اللغات السامية (وفي العربية قديماً)، هو الكاف المجهورة: [گاف G] أو (الجيم القاهرية) كما تسمى أحياناً. هذا الصوت هو الوجه المجهور للكاف المهموسة: [ك]، ومن الناحية التاريخية، الفرق بين الهمس والجهر لايخرج الكلمة من حقلها الدلالي الأصلي العام. هذه الحقيقة جديرة بالاهتمام، لان الكثير من أسماء الأماكن في الوطن العربي، هي في الواقع سامية (قبل-عربية)، حتى وان بدت عربية خالصة، بما في ذلك الأسماء التي تحوي صوت الجيم، مثل: (جدة) و(جواثا) و(دومة الجندل).

(الجيم المُركّبة) فونيم يجمع بين الشدة والرخاوة، وله اكثر من مخرج، ولذلك يسمى فونيم: (مُركّب/affricate). مخارج الجيم تتداخل مع مخارج فونيمات أخرى، فيحل محلها وتحل محله، مثل (الدال) و(الشين) و(الياء). هذا الأمر من شأنه ان يزيد من صعوبة البحث في معاني أسماء الأماكن، القديمة والحديثة نسبياً.

للمزيد عن الفونيمات.. اضغط هنا

لفهم الجيم المركبة ، من المهم تفحص مكوناتها، أي: صوت الـ[د] وصوت الـ[ش] المجهورة.

1- الدال توصف بأنها فونيم: [مجهور – لثوي – وقفي/شديد]. [voiced alveolar stop]

أ- [مجهور/voiced]: تعني أن الهواء يتجمع عند الأوتار الصوتية (داخل الحنجرة)، فتهتز وتُحدث صوتاً مكتوماً، والسبب هو ان هذه الاوتار تتقارب أثناء نطق الفونيم. بعبارة أخرى: (الجهر) هو ان تنقبض منطقة الحنجرة وتتقارب وتتوتر الحبال الصوتية فيخرج الصوت عميقاً ثقيلاً. هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها بتحسس منطقة الحبال الصوتية أثناء نطق بعض الأصوات مثل: الدال و(الگاف G).

ب- [لثوي/alveolar]: تعني ان طرف او مُقدم اللسان يرتفع ويضغط على منطقة (المخرج اللثوي) [أنظر الشكل أعلاه]، فيوقف خروج الهواء تماماً (أثناء نطق الفونيمات الوقفية الشديدة)، أو يسمح بمرور الهواء بصعوبة (أثناء نطق الفونيمات الإحتكاكية الرخوة).

اللثة المقصودة هنا هي: المنطقة التي تشمل جذور الثنايا من الداخل والحافة السنخية/alveolar ridge. هذه المنطقة هي التي (ينقر) عليها طرف او نصل اللسان عند نطق عبارة: (لا إله إلا الله). أهل اللغة القدماء يسمون هذا الجزء من الفم: (النطع)، وتعني الجلدة المجعدة. المخرج اللثوي هو مخرج او (جزء من مخرج) العديد من الفونيمات، مثل الفونيمات النطعية (الوقفية الشديدة): [د، ت، ط، ض]، سميت بذلك لان مخرجها هو النطع. هناك أيضاً الفونيمات الصفيرية (الإحتكاكية الرخوة): [س، ز، ص، ش، ʒ]، وسميت بذلك لان خروجها يشوبه شيء من التصفير.

ج- [وقفي شديد/stop]: تعني أن اللسان يضغط بشدة على مخرج الصوت، مما يوقف تدفق الهواء، وعندما يخف هذا الضغط، ينفجر الهواء خارجاً من الفم (ولذلك يُسمى الوقفي الشديد أيضاً: إنفجاري plosive). مثال ذلك صوت الدال في عبارة: (أَدَّى الدَّيْنَ)، حيث يضغط مُقدم اللسان على (المخرج اللثوي).

2- الشين تُعتبر فونيم: [مهموس – غارلثوي – احتكاكي/رخو]. [Voiceless palato-alveolar fricative]
أ- [مهموس/voiceless]: المهموس عكس المجهور، والمقصود هو أن الهواء لا يتجمع عند الأوتار الصوتية أثناء نطق الفونيم، فلا تهتز ولا تحدث صوتاً مكتوماً، والسبب هو ان هذه الاوتار تتباعد أثناء النطق. بعبارة أخرى: (الهمس) هو ان ترتخي منطقة الحنجرة وتتباعد الحبال الصوتية ولا تتذبذب، فيخرج الصوت رفيعاً خفيفاً.

ب- [احتكاكي رخو/fricative]: الإحتكاكي الرخو عكس الوقفي الشديد، والمقصود هو ان اللسان لايضغط بشدة على (مخرج الصوت) فيوقف خروج الهواء، بل يرتخي عنه قليلاً، سامحاً للهواء بالتسرب من بين اللسان و(مخرج الصوت)، مع شيء من الاحتكاك. مثال ذلك: عند الوقوف على أصوت الشين والسين والعين في كلمة: (شاسع)، اللسان في هذه الحالات لايمنع تسرب الهواء الى خارج الفم.

ج- [غارلثوي]: تعني أن نطق الفونيم اللثوي يتزامن مع “تغوير”، أي: تحدّب وإرتفاع وسط اللسان باتجاه الغار.

الغار: هو سقف الفم أو التجويف الذي يقع فوق وسط اللسان. (يسمى أيضاً: وسط الحنك الأعلى)، والتغوير (palatalization) هو أن يتجمع وسط اللسان ويتقوس لأعلى ويرتفع ليضغط على الغار، كما يحدث عن نطق أصوات: (الياء) الثلاثة في عبارة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}. هذا التغوير قد يصنع صوتاً مستقلاً مثل: (الياء) أو قد يساهم في صناعة بعض الأصوات.
مثال لذلك:  اذا تزامن التغوير مع صوت السين: [س]. التغوير هنا يجعل من السين صوتاً آخر، هذا الصوت الآخر هو: الشين: [ش]. بعبارة أخرى: السين صوت لثوي، والتغوير يحول هذا الصوت (اللثوي) الى صوت (غارلثوي) فينطق: (شين).
الملاحظ هنا: ان (التغوير) أي رفع وسط اللسان باتجاه الغار، تسبب في تغيّر حركة طرف اللسان فتحولت (هسهسة السين) الى (تشويش الشين).

هذه الشين المذكورة أعلاه تسمى: “الشين المهموسة” وهي نفس الشين المعروفة في اللغة العربية، ولكن هناك شين أخرى تسمى: “الشين المجهورة”، وهي صوت لغوي، (أو فونيم)، غير موجود في اللغة العربية القياسية، ولكن ينطق في بعض لهجات الشام والمغرب كبديل لصوت الجيم (أو كما ينطق الإسم: جورج في مصر/بجيم قرآنية يصاحبها تشويش). هذا الفونيم موجود في اللغة الإنجليزية، ولكن ليس له (حرف او جرافيم) في تلك اللغة، ولكن بالإمكان سماع هذه (الشين المجهورة) عند نطق الـ[s] في بعض الكلمات مثل:(usually) و(pleasure). لهذه الشين النادرة عدة جرافيمات من بينها: [ژ] و[ž]،  أما رمزها في الأبجدية الصوتية الدولية فهو: [ʒ].

الجيم المركبة تعتبر فونيم: [مجهور – غارلثوي – مُركّب]. [Voiceless palato-alveolar africate]

فونيم مُركّب: تعني أن الفونيم يجمع بين الشدة والرخاوة، أي أنه يبدأ [وقفي/شديد] ثم لايخرج بشكل انفجاري كما يحدث للفونيمات الوقفية الشديدة الأخرى (مثل الدال والكاف)، بل يدخل في مرحلة [احتكاكية/رخوة]، قُبيل ان يخرج، أي كما يحدث مع (الثاء) او (الخاء).

للشرح أكثر: الفونيم المُركّب عبارة عن اندماج (وحدتين صوتيتين):

(الوحدة الأولى) تحمل خصائص صوتية تختلف عن (الوحدة الثانية)، أهم هذه الخصائص هي أن الأولى: وقفية شديدة فيما الثانية: احتكاكية رخوة.

[ج/d͡ʒ] = (الوحدة الأولى) + (الوحدة الثانية)
(الوحدة الأولى): تحمل خصائص الصوت اللثوي (الوقفي الشديد) المجهور، أي الـ[د].
(الوحدة الثانية): تحمل خصائص الصوت الـ (غارلثوي) (الاحتكاكي الرخو) المجهور، أي الـ[ ʒ] (الشين المجهورة).

الخلاصة:

(الجيم المُركّبة) عبارة عن تتابع واندماج صوتين مجهورين هما: الـ[د] والـ[ʒ].

الـ[ʒ] ترمز لـ[شين] مجهورة، غير موجودة في اللغة العربية الفُصحى.

الجيم المُركّبة حلت محل الـ[گاف G] السامية. هذه (الگاف) تُسمى (الكاف المجهورة) لأنها النظير المجهور للـ[ك] العربية وهي صوت مهموس.

هذا الامر من شأنه ان يسمح بأن تحل الجيم محل الكاف وأخواتها،أي ألـ(ك، خ، ق، غ)، مثل:

[ كَسر : جزر ] = قطع وفصل.

[ قلــة : جُلـة ] = وعاء يتخذ من الفخار أو الخوص.

[ الخال : الجال ] = اللواء.

[غور : جُر] = مكان منخفض، غار أو جحر و(جورة).

الجيم يوصف بأنه فونيم صعب وشاذ، يجمع بين الشدة والرخاوة، وتتداخل في مراحل نطقه الدال والياء والشين المجهورة.

هذه الخصائص تجعل الجيم يتبدل على ألسن الناطقين، (استسهالاً او كعادة نطقية)، الى:

  • (دالاً صريحة)، كما في بعض لهجات جنوب مصر. كأن يقال: (دندي في الديس) أي: (جندي في الجيش)
  • (ياءاً صريحة) كما في الخليج. كأن يقال: (دياية يديدة) أي: (دجاجة جديدة)
  • (شيناً صريحة). كقولهم: (وش) بدلاً من: (وجه).

هذه الظاهرة موجودة في العربية القياسية ولغات عديدة حول العالم، من أمثلة ذلك:

[ يربوع : جربوع ] = “دويبة تشبه الفأرة”.

[ عدن : عجن ] = الوسط والمركز.

[ شال : جال ] = رفع الشيء وذهب به.

هذه الظاهرة ليست حديثة، فقد تحدث قدماء اللغويين عن ابدال الجيم بالياء عند بعض العرب، وابدال الجيم بالزاي، (يقصدون ʒ)، عند بعض العجم، وقالوا إن: “الجيم والشين من مخرج واحد“.

الأمر نفسه يحدث في لغات أخرى مثل الاسبانية والبرتغالية، وهما لغتان شقيقتان، نجد كلمة: (dia) وتعني في اللغتين: (يوم)، هذه الكلمة تنطق في الاسبانية بالدال، فيقال: (ديّا)، اما في البرتغالية فتنطق بالجيم، فيقال: (جيّا)، وكذلك (dinero/نقود)، تنطق في البرتغالية: (جينيرو).

هناك أيضاً الاسم السامي الآرامي: (يوحنّا)، اسم القديس يوحنا المعمدان، او النبي يحيى.

في اللغة الألمانية ينطق: (يوهان/Johann)، وفي الإنجليزية: (جون/John)، وفي الايرلندية: (شون/ Seán)، أما في الاسبانية فيقال له: (خوان/Juan).

الجيم المُرَكّبة المهموسة: [ t͡ʃ ]

كما ورد أعلاه، الجيم المركبة الفصيحة، تعتبر فونيم مُرَكّب “مجهور”، أي أن الأصوات التي تتركب منها هذه الجيم (الدال والشين)، أصوات مجهورة: الدال صوت مجهورأصلاً، والشين التي تدخل في نطق هذه الجيم تسمى (شين مجهورة) ولاتوجد في الغة العربية القياسية.

لهذه الجيم الفصيحة المجهورة، شقيقة مهموسة، تسمى ” الجيم المركبة المهموسة” أو “الجيم المثلثة چ“.

الجيم المثلثة صوت لغوي، (أو فونيم)، غير موجود في اللغة العربية القياسية، ولكن يُنطق في بعض لهجات العراق والخليج كبديل لصوت الكاف، كأن يقال: (چكم؟) بدلاً من (كم؟). هذا الفونيم موجود في اللغة الإنجليزية، ويكتب: [ch] في كلمات مثل: (chair) و (chat). لهذا الفونيم عدة جرافيمات من بينها: [چ] و [ch] أما رمزه في الأبجدية الصوتية الدولية فهو: [ t͡ʃ ].

رمز الجيم المُرَكّبة المجهورة في الأبجدية الصوتية الدولية هو: [d͡ʒ] أي: ( d + ʒ ).

رمز الجيم المُرَكّبة المهموسة في الأبجدية الصوتية الدولية هو: [ t͡ʃ ] أي: ( t + ʃ ).

( ʃ ): حرف مبتكر لرسم صوت الشين العربية (ش) والإنجليزية (sh). (الشين المهموسة).

( ʒ ): حرف مبتكر لرسم صوت الشين المجهورة النادرة (تحل محل الجيم في لهجات الشام).

(الجيم المُرَكّبة المجهورة) عبارة عن تتابع واندماج صوتين مجهورين هما: الـ[د] والـ[ʒ].

(الجيم المُرَكّبة المهموسة) عبارة عن تتابع واندماج صوتين مهموسين هما: الـ[ت] والـ[ش].

في أسماء الأماكن

  • مدينة (جدة)، كما يقول ابن منظور في (لسان العرب)، سميت بذلك لانها تقع على (الجُدة) أي الساحل أو الضفة. يشير ابن منظور ايضاً الى ان كلمة الـ(جُدة) او الـ(جُد) لها أصل نبطي وهو: (كد)، وبالمعنى نفسه. هذه الكلمة موجودة في الآرامية والعبرية والمندنائية، تكتب: (גָדָה)، وتنطق: (گده/găddăh)، وتحمل معناها في اللغة العربية، أي: الساحل أو الضفة. وعليه يمكن القول ان الجيم في (جدة) مبدلة عن (الكاف) في (كد) أو (الگاف) في (گده).
  • بلدة (يبرين)، الشهيرة في التاريخ العربي، لها اسم آخر حديث نسبياً وهو: (جبرين). هذا الاسم الأخير غير موجود في المصادر العربية القديمة. لو كان (جبرين) هو الاسم الوحيد الذي نعرفه للبلدة، ولا توجد مصادر تاريخية تحدثنا عن أسماءها السابقة، هل سيظن الباحث ان اصل (الجيم) هنا هو (الياء)؟ الإجابة على الأرجح: لا!


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *