الكتابة المسمارية

الكتابة المسمارية: طريقة كتابة ابتكرها السومريون في جنوب العراق. أداة هذا النوع من الكتابة، كانت عبارة عن عود من القصب، يُنقّح طرفه حتى يصبح على هيئة مثلث مقطوم، عريض وغير حاد، وشبيه برأس الوتد أو المسمار. أما “الصحيفة” التي تحوي النص، فكانت عبارة عن قطعة مربعة أو مستطيلة من الطين الحُر،(الصلصال)، تُشَكّل وتُسَوّى لتصبح جاهزة لـ”غُرَز” ذلك “القلم المسماري”. هذا النوع من الكتابة أُستُخدم لاحقاً لتدوين اللغة الأكدية، لغة الأكديين القدماء والبابليين والأشوريين.

    

الكتابة المسمارية

السومريون، وفقاً للرواية المتداولة، قومٌ عاشوا في جنوب بلاد الرافدين وعلى السواحل الشمالية للخليج العربي. ينسب لهؤلاء القوم أول حضارة بشرية معروفة، كما ينسب لهم الفضل في “اختراع” الكتابة. اللغة السومرية تعتبر أول لغة مكتوبة، وواحدة من أقدم اللغات المعروفة.

Saĝ-gíg (𒊕 𒈪) بعض الفرضيات تقول أن السومريين كانوا قوماً من الزنج، وأن بقاياهم ثاروا على العباسيين في “ثورة الزنج“.

أما الأكديون فقد كانوا عشائر رعوية، خرجت من شرق الجزيرة العربية، واستقرت في بلاد السواد، بين ظَهرانَيّ السومريين. ثم ما لبثوا ان اخذوا بأسباب الحضارة والتمدن، وبنوا في العراق أول امبراطورية في التاريخ “الإمْبِرَاطُورِيّة الأكدية“.

الأكديون من أسلاف المناذرة، تركوا شرق الجزيرة ونزلوا أرض السواد. هناك من يقول أن المندائيين من بقاياهم.

لغة هؤلاء الأكديين لغة سامية شقيقة للغة العربية، لكنها شديدة الاختلاف عن لسان السومريين، ومع ذلك كتبوا لغتهم الأكدية باستخدام “الكتابة المسمارية” التي اخترعها السومريون وخطّوا بها لسانهم السومري الغريب.

عندما دالت دولة الأكديين القدماء، استمرت لغتهم السامية “لغة رسمية” لبلاد الرافدين. وعندما حل محلهم البابليون والأشوريون تبنوا هذه اللغة الأكدية، ودونوا بها معارفهم وفنونهم ومآثرهم العظيمة، بما في ذلك “أسماء الأماكن” أو “الطوبونيمات”.


القلم المسماري (cuneiform stylus) :

النصوص السومرية والأكدية دونت بإستخدام ما يعرف بـ”الكتابة المسمارية”. أداة هذا النوع من الكتابة، كانت عبارة عن عود من القصب، يُنقّح طرفه حتى يصبح على هيئة مثلث مقطوم، عريض وغير حاد، وشبيه برأس الوتد أو المسمار.

لوح الطين (clay tablet) :

أما “الصحيفة” التي تحوي النص، فكانت عبارة عن قطعة مربعة أو مستطيلة من الطين الحُر،(الصلصال)، تُشَكّل وتُسَوّى لتصبح جاهزة لـ”غُرَز” ذلك “القلم المسماري”. هذه الصحيفة تسمى “لوح الطين” أو “رقيم الطين” واختصاراً “لوح” أو “رقيم”.

لوح الطين (clay tablet) :

“الكلمات” التي تُعبّر عن مايريد قوله الكاتب، يتم”رسمها” بـ”غَرز” أو “ضَغط” طرف “القلم المسماري” في لوح الطين الطري، وعندما يجف هذا اللوح يصبح “صحيفة طينية”، تقوم مقام الرسائل والكتب الورقية في العصور اللاحقة.

الرموز المسمارية (cuneiform signs) :

الكتابة المسمارية لاتستخدم “حروف” لتسجيل أو “رسم” الكلمة المنطوقة، بل “رموز معقدة”، يتراوح عددها ما بين 600 الى 1000 رمز.  كل رمز من هذه الرموز يعبر عن “مقطع صوتي”، يتكون، في الغالب، من صوتين أو  ثلاثة أو أربعة أصوات.

في الجدول التالي بعض هذه “الرموز” و”المقاطع الصوتية” التي تمثلها:

الكتابة المسمارية

أمثلة:

هنا مثال بسيط لتقريب الصورة:  الكلمات العربية: (كَتَبوا)،(رَكِبوا)،(تَرَكوا).

كلمة: “كَتَبوا” تتركب من ثلاثة مقاطع: (ka-ta-bu). وكذلك كلمة “رَكِبوا”: (ra-ki-bu). وكلمة: “تركوا”: (ta-ra-ku). المقطع الأول من الكلمة الأولى هو: “ka“، والمقطع الثاني من الكلمة الثانية هو: “ki“، والمقطع الثالث من الكلمة الثالثة هو: “ku“.

في الكتابة الأبجدية يُكتب كل مقطع من هذه المقاطع الثلاثة بإستخدام حرف: (الكاف: كـ)، بالاضافة الى الحركة التي تحرّكه، أي: “كـ+حركة”، “كـ+حركة”، “كـ+حركة”. أما في الكتابة المسمارية المقطعية فيستخدم “رمز خاص” لكل مقطع من هذه المقاطع، مختلف تماماً عن الرمزين الآخرين:

الكتابة المسمارية

مثال آخر، كتابة ya-ak:


تمرين، أكتب الإسم الشخصي: (مراد كامل).

[ MU.RA.DU KA.MI.LU ]


أغراض التدوين:

الغالبية العظمى من هذه الألواح كانت عبارة عن “دفاتر تجارية” وجَرد محاسبي ونصوص بيع وشراء. الى جانب عدد أقل بكثير يتضمن قصص وأشعار وحِكم وأمثال وترانيم وقصائد وأساطير، وتعاليم دينية وتشريعات قانونية ووصفات طبية وزراعية ومهنية، ومراسلات ومآثر وانجازات الحكام، ونحو ذلك.

كتابة إرتجالية:

الآثاريون واللغويون الذين فكوا شفرة الكتابة المسمارية، وتعرفوا على معاني الكلمات التي كتبت بها، عانوا من التداخل بين هذه الرموز، وكثرة الأخطاء المطبعية والإملائية، والاختصار والاختزال والحذف، واضطراب الخط وصعوبة قراءته.

تكتب بالعاميات:

لكن الأهم، هو ان النصوص السومرية والأكدية لم تُكتب بـ(لغة قياسية/standard language) موحدة في اللسانين، وذلك على النقيض من اللغة العربية واللغة الانجليزية. في العربية، هناك مايسمى:(الفصحى)، المعتمدة لغة للتدوين والتأليف والنصوص القانونية والدينية. في الانجليزية، هناك ما يسمى: (Standard English)، أي “الانجليزية القياسية”، لغة المنشورات الرسمية والمطبوعات الجادة والمناهج والعقود والمواثيق، ونحو ذلك.

للسومرية والأكدية،كمعظم اللغات، لهجات عديدة متباعدة، وأساليب لغوية أدبية راقية، وأخرى شعبية مبتذلة. نقوش ألواح الطين عكست هذا كله. كل لوح من هذه الألواح كُتب بلهجة واسلوب القرية أو المدينة أو الناحية التي ينتمي إليها الكاتب، وبإستخدام المفردات والمصطلحات الشائعة هناك.

صعوبة الكتابة المسمارية وما يعتريها، وما يفرضه ذلك على الكاتب، الى جانب التدوين باللهجات واختلاف المفردات والمصطلحات، كل ذلك تسبب في كثرة “البدائل الإملائية spelling variants” و”الصيغ الجانبية by-forms”.

البدائل الإملائية spelling variants“، تُعرّف بأنها: “طُرق كتابة مختلفة لنفس الكلمة، غالباً لاتؤثر على اللفظ”. كأن يكتب: “عَمر” بدلاً عن: “عَمرو”. أو: “لاكن” بدلاً عن: “لكن”. وفي الانجليزية: “facade” بدلاً عن “façade”. أو: ” OK” بدلاً عن ” okay”.

الصيغة الجانبية (byform)، تُعرّف بأنها: “بناء صوتي، أو صيغة لفظية (phonetic form)، أخرى للكلمة المنطوقة، غالباً ما تكون أقل شيوعاً واستخداماً من الصيغة الأصلية”. مثال لذلك: الكلمة العربية: “صاقعة” التي تعتبر “صيغة جانبية” لكلمة: “صاعقة”، وكذلك الكلمات: “حانك” و”حالك” (السواد). وفي الانجليزية: “shade” و”shadow”، و”aks”،”ask”.

التنبه لهذا الأمر مُهم عند دراسة معاني أسماء الأماكن العراقية، وكذلك الشامية والجزيرية. السبب هو أن الكثير من الطوبونيمات في هذه الأقاليم الثلاثة لها أصل سومري أو أكدي، أو أنها مذكورة إبتداءاً في السجلات البابلية والأشورية المدونة بالكتابة المسمارية.

فمثلاً قد يحدث أن نجِد طوبونيم مجهول المعنى، ولكن له صيغة أخرى لها معنى معروف، فشل الباحثون في الربط بين هذه الصيغة، معروفة المعنى، وبين الطوبونيم، مجهول المعنى. سبب هذا الفشل هو عدم التنبه لتعدد الصيغ الإملائية واللفظية للكلمات والأسماء المدونة بالكتابة المسمارية.

Sumerian and Akkadian words are characterized by their multiple spelling variants, and many cuneiform signs can be pronounced in more than one way and often two or more signs share the same pronunciation. [Sumerian Lexicon by John A. Halloran]

مثال لذلك: التأويل الشائع الآن لأصل كلمة “عراق”، بأنها ليست سوى تعريب لـ”اوروك/ Uruk“، إسم أكبر مدن السومريين القدماء، وحاضرة بلاد الرافدين في زمانها.
السومريون الأوائل كانوا يسمون هذه المدينة العملاقة: (انوگ/Unug)، وعندما غلب عليها الأكديون الساميون غيروا اسمها الى: (اوروك/Uruk).
لايوجد إتفاق بين الباحثين على المعنى المقصود للإسم: “Uruk”. أحد أسباب هذا الأختلاف هو أن “اوروك” لايبدو “إسماً مشتقاً” من كلمة معجمية معروفة المعنى. ولكن، عند التنبه الى أن الكتابة المسمارية تسمح بتعدد الصيغ الإملائية واللفظية، سنجد كلمة أكدية قريبة من “Uruk” رسماً ولفظاً وهي: “urruqu” التي تعني: “إخضرار” أو “خضرة النبات”. دلالات هذه الكلمة قريبة من التأويلات العربية القديمة لمعنى “العراق”، الذي ربطوه بالنباتات والجذور والمياه والضفاف.

للمزيد عن معنى العراق.. إضغط هنا


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *