
طوبونيميا شمال أفريقيا: مجال دراسة غني يعكس التفاعل التاريخي والثقافي واللغوي العميق في المنطقة، حيث تكشف أسماء الأماكن عن طبقات تاريخية متنوعة، وتُعد مفتاحاً لفهم الهوية المحلية والتاريخ الجماعي لأهل ذلك الجزء من العالم.
هذه الدراسة تشمل أصول ودلالات وأنواع أسماء الأماكن في شمال أفريقيا والبلدان المغاربية، بما في ذلك أسماء المستوطنات والمنشآت البشرية والمعالم الجغرافية ومظاهر الطبيعة.
بلدان شمال أفريقيا-غرب مصر، لها تقريباً نفس التركيبة السكانية والثقافية، والماضي الحضاري والأثنُولوجي، الى جانب وجودها، جميعاً، في الصحراء الكبرى وعلى سواحلها المتوسطية والأطلسية.
لكن الأهم هنا هو الماضي اللغوي، لأن البحث الطوبونيمي يعتمد إعتماداً كبيراً على فهم هذا الماضي. بلدان تلك المنطقة لها تاريخ لساني متشابه الى حد بعيد. الطبقات اللسانية القديمة في شمال أفريقيا تكونت عبر ترسب مواد معجمية تنتمي الى لغات عديدة من بينها: الأفراسيوية والهندوأوروبية: الأولى تشمل (اللغات البربرية Berber languages والسامية)، والثانية تشمل: (الإغريقية واللاتينية والفرنسية والاسبانية)، هذا الأمر انعكس على أسماء الأماكن ودلالاتها.
بإلقاء نظرة سريعة على أسماء الأماكن في شمال أفريقيا، يلاحظ أن معظمها ذو دلالة عربية ظاهرة، السبب الرئيسي في ذلك هو موجات الهجرة المتلاحقة القادمة من المشرق، خلال العصور الإسلامية والعثمانية، ثم تحول العربية الى لغة رسمية لتلك البلدان. دلالات هذه الأسماء لاتحتاج الى الكثير من البحث، بخلاف بعض الطوبونيمات القديمة، في الجزيرة العربية والهلال الخصيب.
في المقابل هناك أسماء تبدو ذات أصول موغلة في القدم: بربرية (أمازيغية/Amazigh)، فينيقية، لاتينية أو إغريقية قديمة، الى جانب التسميات الإستعمارية الفرنسية والأسبانية الحديثة. من أمثلة ذلك، أسماء العواصم الكبرى: طرابلس، تونس، الجزائر، الرباط ونواكشوط. الأولى إغريقية، والثانية فينيقية أو بربرية، والثالثة والرابعة عربية خالصة، أما الأخيرة فلازال أصلها محل خلاف بين الباحثين.

الفينيقيون في شمال أفريقيا

الحَضَارَة الفينيقية البونية (814 ق.م – 146 ق.م) هي أول حضارة وامبراطورية تنشأ في شمال إفريقيا وأسبانيا. أسسها الفينيقيون الساميون القادمون من سواحل الشام (لبنان وفلسطين)، في القرن التاسع قبل الميلاد، (قبل ظهور الإسلام بـ1600 سنة). بدأ هذا الكيان الحضاري كمستوطنة شامية في تونس الحالية، ثم تطورت الى مدينة كبيرة، ثم الى إمبراطورية بلغت ذروتها في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم سقطت في أيدي الرومان عام 146 قبل الميلاد. اللغة الفينيقية لغة سامية، شقيقة للغة العربية.


قدماء الإغريق

المهاجرون الإغريق القدماء (قبل الإسكندر المقدوني)، أقاموا مستوطنات (تطورت الى مدن ودويلات) في مصر وليبيا الحالية. وذلك طلباً للحرية والوفرة والرفاه أو للتحكم في التجارة، وفرض الهيمنة والتأسيس لتوسع لاحق.

العصر الروماني

بعد صراع طويل مع الفينيقيين، إستطاعت روما القديمة السيطرة على ساحل أفريقيا الشمالي. وما ان إستتب لها الأمر، حتى عَمِد القادة الرومان الى تقسيم هذه المستعمرات الجديدة الى عدة محافظات، تضم مدناً حديثة أنشأوها، أو مدن قديمة إهتموا بها.
الأسماء التي أطلقوها على هذه المدن والمحافظات، تنقسم الى قسمين، أسماء جديدة إجتروحها بلغتهم اللاتينية، أو أسماء محلية سابقة على غزوهم، إستمروا في إستخدامها ولكن بشيء من التحريف أو (الألتنة/Latinization).

الوندال الجرمان

الوندال (Vandals) قبائل جرمانية رحلت منذ مطلع القرن الخامس الميلادي من ألمانيا إلى إسبانيا ومنها إلى شمال أفريقيا بقيادة زعيمهم جنسريق حيث تمكنوا من هزيمة الرومان وأسسوا دولة لهم (المملكة الوندالية/Vandal Kingdom) في شمال أفريقيا (ليبيا وتونس والجزائر) واتخذوا من هيبون عاصمة لها (عنّابة الجزائرية) ، وخلال عقود لاحقة نقلوا العاصمة الى قرطاج. هذه الدولة الجرمانية إستمرت من 435 الى 534م. لغة هؤلاء الوندال تسمى اللغة الوندالية، وهي لغة جرمانية شقيقة للغة الإنجليزية.
الوندالية كانت لغة قبلية بسيطة وغير مكتوبة، ولذاك إستمر الوندال في إستخدام اللاتينية، كلغة رسمية وإدارية. هذا الأمر إنسحب على أسماء الأماكن، حيث إستمرت بنكهتها اللاتينية الرومانية، الى ان دالت دولة الجرمان، على أيدي قوات قادمة من القسطنطينية، الناطقة باليونانية.

الحكم البيزنطي

بعد التغلب على دولة الوندال المتداعية، إستطاعت الإمبراطورية البيزنطية، (وريثة روما)، إحتلال شمال إفريقيا لمدة 175 سنة، (533-698م)، قبل أن تُطرد قواتها من هناك على أيدي الأمويين القادمين من دمشق. خلال هذه المدة، وبسبب البعد عن القسطنطينية، تَقرر جمع مستعمرات شمال غرب أفريقيا في كيان إداري واحد، تحت إسم (Exarchatus Africae/ متصرفية إفريقيا) وكان يُدار من مدينة قرطاج ويتمتع بما يشبه الحكم الذاتي.

الطوبونيميا الليبية
طوبونيميا ليبيا تعكس تاريخها الحضاري الغني، الرابط بين الشرق والغرب. وهنا بعض الأمثلة:
قورينة (Cyrene) مدينة كبيرة أسسها الإغريق في الجبل الأخضر، بأقصى شمال شرق ليبيا، وكان لها شأن مهم في العصور اللاحقة. بعد الفتوحات الإسلامية والهجرات العربية، أطلق عليها العرب إسم: “العيون الشاحات”، أي العيون شحيحة الماء، ثم لاحقاً اختصرت الى “شاحات” الذي تحَوّر الى إسمها الحالي: “شَحَات“.إسم المدينة اليوناني Kȳrḗnē) Κυρήνη)، غير معروف الأصل، لكن الرواية الشعبية الإغريقية تقول أن هذه المستوطنة سميت على إسم الأميرة الأسطورية (Kyrene).
بنغازي (Benghazi): بالقرب من Kyrene أسس المهاجرون الأغريق (حوالي 525 قبل الميلاد) مستوطنة أخرى اطلقوا عليها إسم: مدينة الـ “Ἑσπερίδες” (الهسبريدس)، أو باللاتينية (Hesperides)، والتي تطورت لتصبح مدينة زاهرة.
الرواية الشائعة تقول أن اسم هذه المدينة مستوحى من الأساطير اليونانية أيضاً وأن الهسبيريدس (Ἑσπερίδες) هو إسم لحوريات يحرسن حديقة مقدسة من التفاح الذهبي.
في العصر الهلنستي، (مطاوي القرن الثالث قبل الميلاد)، تغير اسم “Hesperides” الى “Berenice” (برنيس) وتم ضمها الى مملكة بطليموس الإغريقية، التي اتخذت من الإسكندرية عاصمة لها.
“Berenice” (برنيس) كلمة ذات أصول إغريقية قديمة، صيغتها اللاتينية هي: (Veronica) والتي من معانيها “الناصرة” أي جالبة النصر والعزة. الشائع أنها سميت كذلك على اسم برنيس الثانية (Berenice II) زوجة ملك مصر اليوناني بطليموس الثالث.
خلال العصور الرومانية والبيزنطية خبأ نجم هذه المدينة تدريجياً وتحولت الى مجرد مرسى بحري بسيط، وبعد الفتوحات الإسلامية توالت الهجرات العربية الكثيفة للمنطقة، (التي صارت تعرف بإسم برنيق)، حتى اصبح ذلك الموضع محاطاً بنطاق عربي خالص. وفي أزمنة لاحقة، (كما تقول الرواية الشائعة)، دفن، بجوار ذلك الثغر الساحلي، رجل من أولياء الله الصالحين يقال له “سيدي بن غازي”، ما لبث حتى أُعطيَ إسمه لذلك المرسى، فصار الناس يشيرون اليه بإسم: “مرسى بن غازي”، الذي تطور لاحقاً الى مدينة مزدهرة. ثم بعد ذلك، (مطاوي القرن السادس عشر الميلادي)، اختصرت التسمية الى: “بنغازي“.
طرابلس (Tripoli) : كانت في الأصل ثلاثة بلدات فينيقية متلاصقة على رأس بر (لسان بر داخل البحر)، وفي أزمنة الإنهيار الفينيقي، إستولت عليها قوة إغريقية قادمة من Kyrene، وأُطلق عليها إسم يصفها: ” Τρίπολις/Trípolis” أي: “المدن الثلاث”.
سرت: مدينة تاريخية أنشأها الفينيقيون الساميون تحت إسم: “مَقُما/𐤌𐤒𐤌𐤀”، (وهي نفس العربية: مقام)، ويقصد بها في اللغة الفينيقية “مكان” أو “حِجر” أو “محلة”. لكن يبدوا أن هذا الاسم اختصار لاسم أطول، كان مكون من كلمتين، قد يكون “المكان البهيج” أو “الدار الباهية”. سبب هذا الإحتمال أن إسم المدينة الإغريقي (Macomedes-Euphranta) يبدوا كما لو كان نقحرة وترجمة لاسمها الفينيقي القديم.
“Macomedes” (مقوميديس)، هي النطق اليوناني لـ “مَقُما” الفينيقية، أما العنصر الثاني من التسمية أي: “Euphranta” فهو كلمة يونانية تعني: “باهي” أو “بهيج”. ولكن في العصور اللاحقة (الرومانية والبيزنطية)، فقد هذا المكان بهجته وتحول الى ساحل شبه مهجور ومخيف، يجوبه قطاع الطرق ونهّابة القوارب العابرة. الملفت أن هذا الساحل ورد وصفه في الملحمة الإغريقية الشهيرة: “الإنيادة” بعبارة: ” ἀξενία Σύρτις” (أكسينيا سِرتس/axenia Syrtis).
“ἀξενία” كلمة يونانية معجمية تعني: “مُوحِش” (خالي لا أُنس فيه، أو مُنفِّر)، أما “Σύρτις” (موجودة أيضاً في اللغة اللاتينية بصيغة: syrtis) فتأتي بمعنى ” الكثيب المهيل” (الرمل السائل أو المتناثر الذي ينصب ويزول من تحت الأرجل إذا حُرّك أسفله أو مُسّ من أعلاه) وقد تُطلق على الرمال المتحركة أو “عرق الرمل” أياً كان قوامه. لكنها تأتي أيضاً بمعنى ساحل رملي أو شاطئ عامة. وبهذا يمكن القول أن (axenia Syrtis) تعني: “الساحل المُوحِش” أو الشط الخراب، ومن الواضح، أن التسمية الحالية، ليست سوى، اختصار مُخل، لهذه العبارة الإغريقية القديمة.
الزاوية (Zawiya): رابع أكبر المدن الليبية من حيث عدد السكان، ومع ذلك لاتوجد الكثير من المعلومات الموثوقة حول تاريخها القديم وتفسير اسمها الحالي. من الروايات المتداولة أنها بدأت كسوق وثغر تجاري بسيط خلال العصر الفينيقي بإسم: “أساريا”. وبالقفز الى العصور الاسلامية الأولى نجد لها ذكر في كتاب “رحلة التيجاني”، لصاحبه أبو محمد عبد الله بن محمد التيجاني (1313م)، الذي يقول أنها تسمى في زمنه: “زاوية أولاد سنان“، ويصفها بأنها بلدة ذات شأن، تضم عددا من المباني والسكان، وتشكل سوقا كبيرة للعرب.
القول بأنها سميت “زاوية” لـ”كثرة زوايا تحفيظ القرآن فيها”، تفسير يغلب عليه الظن والتخرصات. “زاوية”، صيغة مفرد وليست جمع، وقد يكون لها مدلول جغرافي. من ذلك، على سبيل المقارنة، أن مدينة البيضاء كانت تسمى: “الزاوية البيضاء”.
صبراتة (Sabratha) بلدة تقع في أقصى شمال غرب ليبيا. تذكر المصادر التاريخية أن الفينيقيين هم من أسس هذه المدينة بإسم (𐤑𐤁𐤓𐤕𐤏𐤍/صبرعون)، ثم إنتقلت هذه التسمية الى اليونانية واللاتينية بصيغة (Σαβράτα/Sabrata). تالياً، سيطرعليها الرومان، ثم خسروها لصالح الوندال، الذين دمروها كغيرها من المدن التي طالتها أيديهم، ثم احتلها البيزنطيون فأعادوا تعميرها إلى أن جاء الفتح الإسلامي. وقد أخذت هذه المدينة وضواحيها الطابع العربي بعد هجرة قبائل بني سليم الذين يتحدر سكانها الحاليون منهم.
مصراطة (Misrata) : العاصمة الإقتصادية، وثالث أكبر المدن بعد طرابلس وبنغازي. مثل كثير من بلدات سواحل البحر المتوسط الجنوبية، بدأت مصراطة كمرسى تجاري فينيقي بسيط، في مطاوي القرن السابع قبل الميلاد. ومع مرور الوقت اكتسب المرسى أهمية تجارية نتيجة موقعه كملتقى لعدد من الطرق الحيوية، فضلًا عن وقوعه في منطقة زراعية. الإسم الفينيقي لهذا الميناء التجاري ضاع في ثنايا التاريخ، لكن الإغريق في ذلك الزمان كانوا يعرفونه بإٍسم: “Thubactis” (ثوباكتس أو توباكتس)، وهو الإسم الذي عُرف به أيضاً خلال العصور الرومانية والبيزنطية. التأثيل الدقيق لهذه التسمية اليونانية، لازال محل خلاف علمي بين الباحثين. أما إسم المدينة الحالي: “مصراطة”، فيقول إبن خلدون أنها نسبة الى عشيرة بربرية، كانت مضاربها تحيط بهذا المرسى، ويقال لها: عشيرة مصراطة.
هناك أيضاً إسماء إغريقية قديمة وصفية (descriptive)، تصف جغرافية مصراطة، منها: “Cephalae Promontorium” أي: (رَعَنَ الرؤوس). “الرعن” هو أنف الجبل أو (خشم الجبل) المنخفض الخارج من الشاطئ والداخل في البحر. والمقصود هو أن هذه الهضبة الداخلة في مياه البحر، لها عدد من النتوءات أو الرؤوس. وكذلك: “Trirone Acrone” أي: (الرؤوس الثلاثة)، لأنهم كانوا يتصورون موضع مصراطة كما لو كان “راس بر” (headland)، أي: جسر ترابي داخل في البحر، وأن لهذا “الرأس” ثلاثة إمتدادات بارزة.

الطوبونيميا التونسية
طوبونيميا تونس تعكس إرثها الفينيقي العظيم، وكونها الحاضرة التقليدية للثقافة العربية في شمال أفريقيا- غرب مصر .. وهنا بعض الأمثلة:
قرطاج: حاضرة الدنيا في زمانها، وعاصمة الإمبراطورية الفينيقية في شمال أفريقيا. تقع حالياً على بعد 15كلم عن العاصمة تونس. أسستها الأميرة الفينيقية عليسة (أو إليسا) القادمة من مدينة صور في لبنان، وسميت المدينة بـ “قَرْتْ حَدَشْتْ” (𐤒𐤓𐤕 𐤇𐤃𐤔𐤕) وهي نفسها العربية: “قريت حدثت” أي: “القرية الحديثة” أو “المدينة الحديثة”. النطق الحالي: “قرطاج” يُعتبر تبني مباشر للتسمية الفرنسية: “Carthage“، ويقال أن التوانسة كانوا ينطقون هذا الإسم: “Cartagenna” (قرطجينة).
بنزرت: مدينة تونسية ساحلية، تعتبر أبعد مدن القارة الأفريقية الى الشمال. أسسها الفينيقيون بإسم: “عبو صرت” أو “عبون صرت” (أي:صُرة الشط) أو (المرفأ المصرور). وفي عصور سيادة اللغة اللاتينية صارت تنطق:”Ippona Zarito”، وبعد الهجرات العربية، دمجت الكلمتين الى: “بنزت”.
سوسة: مدينة عريقة تقع في وسط شرق البلاد، على خليج الحمامات، تعتبر مركز منطقة الساحل التونسي وتسمى: ـ«جوهرة الساحل». أسسها الفينيقيون في الألف الأولى قبل الميلاد (سنة 1101 ق.م.). إسمها الفينيقي الأصلي هو: “Hadrumetum” (حضرموتم)، المشتق من “𐤃𐤓𐤌𐤕” (ضرمت) و “𐤀𐤃𐤓𐤌𐤕” (أضرمت)، أي: جنوب أو الجنوب.

الطوبونيميا الجزائرية
طوبونيميا الجزائر تعكس تقريباً كل الطيف الثقافي واللغوي في شمال أفريقيا.. وهنا بعض الأمثلة:
الجزائر: هي العاصمة الإدارية الرسمية لدولة الجزائر وأكبر مدن البلاد، تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط. قيل في معناها: أنها جمع جزيرة، بمعنى: قطعة أو “خِطة” (un plan hippodamien) ”جمعها خِطط“، تصنعها خطوط متقاطعة، والمقصود هو: المخططات السكنية أو “القطائع“، كما كانت تسمى في مصر الطولونية.

من معاني “خِطة” في اللغة العربية: إحدى القطع في المخطط البلدي، أي ما يشبه الحارة أو الحي السكني.
قسنطينة: عاصمة الشرق الجزائري، وثالث أكبر مدن البلاد. نالت علم 2015 لقب عاصمة الثقافة العربية. إسمها القرطاجي الفينيقي كان “Karta” (أي:مدينة) وهي نفس الكلمة العربية: “قطر”. وفي العصور الرومانية تغير إسمها الى “سرتا” (Cirta). وخلال القرن الرابع الميلادي تمرد القادة الرومان في شمال أفريقيا على الامبراطور “مكسنتيوس” (Maxentius) في روما. فما كان من هذا الأخير الا أن أرسل جيشاً جراراً لسحق التمرد. وخلال هذا التطاحن الروماني-الروماني، سويت مدينة (سرتا) بالأرض. ثم تالياً أعاد بنائها الامبراطور قسطنطين العظيم وغير إسمها الى: “كوستانتينا” (Constantina). هذه التسمية الأخيرة هي التي أشتق منها الإٍسم العربي الحالي: قسنطينة.
هيبون: مدينة فينيقية الأصل وجزء مهم من محافظة أفريكا الرومانية. كانت العاصمة الأولى للمملكة الوندالية الجرمانية في شمال أفريقيا. هذه الحاضرة العريقة هي نفسها المدينة التي تسمى الآن: “عنّابة“، نسبة الى كثرة مزارع العنب فيها، كما تقول الرواية الرسمية.

الطوبونيميا المغربية
طوبونيميا المغرب غنية الى حد بعيد، وتعكس طبقاتها إستيطان بشري قديم ومتنوع.. وهنا بعض الأمثلة:
الرباط: العاصمة الإدارية الرسمية للمملكة المغربية، تقع على ساحل المحيط الأطلسي، وعلى الضفة اليسرى لمصب نهر أبي رقراق. هذه الحاضرة الزاهرة، أنشأتها دولة “المرابطون” خلال العصور الإسلامية، بإسم “رباط الفتح”. “الرباط” كلمة عربية فصيحة، من معانيها المقصودة في هذا السياق: “الثبات ولزوم المكان”، وكانت تطلق على مايشبه “الحامية” أو “القاعدة العسكرية” التي تقام في الثغور وعلى الحدود، لصد أي إعتداء خارجي محتمل.
الدار البيضاء (Casablanca): أكبر مدن المملكة المغربية وعاصمتها الاقتصادية. تقع على على ساحل المحيط الأطلسي، 95 كم جنوب الرباط. في ماضيها البعيد كانت عبارة عن موضع ساحلي بسيط، على “رأس بر” يسمى “أنفه”.
في القرن السادس عشر، وعندما أراد البرتغاليون إيجاد موضع قدم لهم على الساحل المغربي، لاح لهم من بعيد بناية قديمة بيضاء اللون، على جرف مرتفع، إقتربوا منها وطوقوا جوارها وأنزلوا مدافعهم على ساحلها، وأخذوا ينشؤون التحصينات والمرافق الضرورية.

عندما إستتب لهم الأمر سموا مستعمرتهم الجديدة “casa branca” أي “البيت الأبيض”، على إسم البناية ذات الطلاء الأبيض، التي رأؤوها من قبل، وأصبحت الآن تتوسط تحصيناتهم.
التسمية البرتغالية: “casa branca” تحولت لاحقاً الى الأسبانية: “casa blanca”، خلال الفترة التي تعرف بـ”الاتحاد الأيبيري”، بين مملكتي أسبانيا والبرتغال. هذا الإسم الأخير إستمر خلال العصر الفرنسي الى الإستقلال، حين تُرجم الى: “الدار البيضاء”.
طنجة: مدينة كبيرة وميناء مهم على زاوية الحافة الشمالية الغربية للقارة الافريقية. بدأت كمستوطنة فينيقية (Phoenician colony) في القرن العاشر أو الثامن قبل الميلاد، ثم تحولت لاحقاً الى أحد أهم موانئ الإمبراطورية الفينيقية خلال القرن الخامس قبل الميلاد. إسمها الفينيقي الأصلي: “𐤕𐤉𐤍𐤂𐤀” (تينجا)، الى جانب صيغة أخرى وهي: “𐤕𐤕𐤂𐤀” (تيتجا). الإغريق والرومان الذين حكموا المنطقة تالياً، إستمروا في إستخدام نفس التسمية، وبالصيغتين: “Tinga” و “Titga”.
لايوجد إتفاق بين الباحثين على معنى هذه التسمية الفينيقية، لكن هناك بعض التخرصات، ومن أشهرها ما ذهبت اليه الباحثة (Ana Ruiz) من ان التسمية قد تكون إحياءاً لكلمة بربرية قديمة تأتي بمعنى: “سبخة” (marsh).

الطوبونيميا الموريتانية
طوبونيميا موريتانيا تعكس تأثيرات عربية قوية الى جانب أخرى إفريقية قديمة.. وهنا بعض الأمثلة:
شنقيط: الحاضرة التاريخية للمنطقة التي تقع فيها موريتانيا الحالية، كانت مركز إشعاع علمي وثقافي طوال العصور الإسلامية. تأسست في القرن الثامن الميلادي، ثم خربت بعد ذلك، ليعاد بناءاً مجدداً في القرن الثالث عشر. ترجح بعض المصادر أن اسم شنقيط يرجع إلى نوع من الأواني الخزفية يسمى «الشقيط» كانت تشتهر به المنطقة. وهناك رواية أخرى تقول بأن «شنقيط» كلمة ذات أصل سوننكي أي من (اللغة السوننكية/Soninke language)، وهي لغة قبيلة أفريقية تنتشر عشائرها في موريتانيا ومالي والسنغال. هذه الكلمة كما يقال: مركبة من مقطعين الأول يعني ينبوع والثاني خيل: (ينبوع الخيل).
نواذيبو: ثاني أكبر مدينة والعاصمة الإقتصادية للبلاد. الإسم يتركب من كلمتين: (ناوى) + (ذيب)، والمقصود هو: (إبن آوى)، المنتشر في تلك المنطقة. (ناوى) لغة في (آوى)، وهو ضرب من الذئاب، على قدر الكلب، عَوّاء. يأكل الجيف والطرائد الصغيرة. الملفت أن المنطقة التي تقع فيها موريتانيا كانت تسمى: (بلاد السوس) وهناك من ربط كلمة (سوس) بالإغريقية: (ثوس/θώς)، التي تعني: إبن آوى!

نواكشوط: العاصمة وأكبر مدن البلاد. بدأت كمدينة مستحدثة، أختطت بجوار قرية ساحلية تحمل نفس الإسم، في أواسط القرن العشرين. التسمية قد يكون لها علاقة بدلالة (نواذيبو)، ويقال أن (-شوط) لغة محلية في (شط) أي الساحل وان (نواق) أو (نوق) معناها معقوف أو متهلل. لكن لايوجد إتفاق بين الباحثين على الدلالة الأكيدة لـ(نواكشوط). ومنهم من أولها الى أصل أفريقي أو بربري قديم، بمعاني عديدة متضاربة.

اترك تعليقاً