معنى الأحقاف.. وعلاقتها بقوم عاد وإرَم ذات العماد

معنى الأحقاف

معنى الأحقاف: هي التجاويف، وتطلق على الكهوف وكثبان الرمل المتجوفة والغائرة بفعل الرياح.

“الأحقاف”، إسم مكان (طوبونيم) ورد ذِكره لمرة واحدة فقط في القرآن الكريم، ولم يُذكر في أي مصدر آخر، لا في أقوال وأشعار العرب قبل الإسلام، ولا في النصوص السامية أو الإغريقية والرومانية القديمة. المفسرون الأوائل إختلفوا في تأويل معنى “أحقاف”، ولا زال هذا الإختلاف قائماً حتى اليوم.

“أحقاف” وردت في القرأن الكريم كإسم لمكان عاش فيه النبي هود مع قومه: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ}، {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}.

الأحقاف، يبدو أن لها إسم أخر وهو “إرَم“: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ}. هناك من قال أن “إرم” إسم بلدة أو مدينة، وأن الأحقاف إسم الإقليم الذي تقع فيه هذه البلدة. وهناك من قال العكس: بأن “إرم” قد تكون إسم من أسماء الإقليم الذي تقع فيه بلدة الأحقاف.

الثابت أن “الأحقاف” صيغة جمع، لكلمة : “حقف”، وهي مادة معجمية متعددة الإشتقاقات (لكسيم/lexeme) ومتعددة الدلالات (بوليسيمي/ polysemous)، لكن هذه الإشتقاقات والدلالات تنطلق من جذر واحد، مما يساعد على الوصول الى المعنى السياقي الأصلي لـ”أحقاف”.

في البداية، من المهم الإشارة الى أن بعض اللغويين القدماء والمحدثين أدركوا نقص وقصور المعاجم المصنفة في العصور الإسلامية الأولى. تلك المعاجم أهملت الكثير من الكلمات والدلالات التي كانت فصيحة ودارجة على لسان العامة في زمانهم. يقول أبو منصور الأزهري صاحب كتاب “تهذيب اللغة”، الذي اعتمد عليه ابن منظور في تصنيف معجم “لسان العرب”: “ولو أنني أودعت كتابي هذا ما حوته دفاتري، وقرأته من كتب غيري، ووجدته في الصحف التي يكتبها الوراقون، وأفسدها المصحفون، لطال كتابي“. ويقول د. محمد جبل في كتابه “الاستدراك على المعاجم العربية“: “لقد جهد الأئمة اللغويين في تدوين ثروة اللغة العربية من متن اللغة، ووضعوا المعايير لما ينبغي أن يعتد به من الكلام فيدون، و ما لا ينبغي فيهمل، وكان من الطبيعي إزاء سعة العربية تلك أن تند عنهم نواد فلا تدون، كما أن غيرتهم على العربية جعلهم يتشددون في معايير ما يقبل ويدون، وما لا يقبل ولا يدون ، فأغفلوا من تلك الثروة اللغوية قدراً كبيراً طيباً لأن معاييرهم لم تجزه. وهذه الثروة اللغوية الضائعة – أعنى ما ند عن المعاجم من المفردات والعبارات الداخلة في نطاق ما يحتج به، وما أغفله اللغويون عمداً لأنه خارج عن نطاق ما يحتج به حسب معاييرهم – هي موضوع هذا الكتاب”.

لغويون آخرون يؤكدون أن اللهجات العربية تزخر بكلمات فصيحة (أو دلالات إضافية لتلك الكلمات) أهملتها المعاجم القديمة. لعل من بين هذه الدلالات المهملة، أن كلمة “أحقاف” قد تأتي بمعنى “كهوف”، كما هو الحال في لهجات عرب شمال أفريقيا وغرب مصر. في اللهجات العربية هناك، المغارة في الجبل، تسمى: “حقفة” وتُجمع: “أحقاف”. في السطور التالية سنبحث عن (وجه الدلالة) هذا، لكلمة “أحقاف” أي المغاربية: “كهوف” ( أو أكهاف).

حقفة الضبعة ( كهف الضبعة ) في ليبيا

معنى الأحقاف في المعاجم العربية:

ورد في لسان العرب لإبن منظور أن: “كل موضع دُخل فيه فهو حِقْفٌ، ورجل حاقِفٌ إذا دخل في الموضع“.
إذن الحقف قد يأتي بمعنى: “كِن” أو “حِجر”.

-“الأَكنانُ :هي الغِيرانُ ونحوها يُسْتكَنُّ فيها ، واحدها كِنٌّ وتجْمَعُ أَكِنَّة ، وقيل : كِنانٌ وأَكِنَّة”.
-الحٍجر (أو الحجرة) : هو “الموضع المنيع”.

“لسان العرب” يشير كذلك الى أن الحقف هو: “أصل الجبل“، (الأَصْلُ : أَسفل كل شيء).

أي أن المقصود هنا بـ”أصل الجبل” هو: “حقف الجبل“.

وجاء في “تاج العروس” للزبيدي، أن: “حقف الجبل: ضبنه“.

أي أن “حقف الجبل” تعني: “ضبن الجبل“.

من معاني كلمة “ضبن”: “الحضن”

أي أن “ضبن الجبل” تعني: “حضن الجبل“.

ومن معاني الحضن : “الوِجار” (وتنطق أيضاً: الوِجر).

الوِجار (وفقاً للمعاجم العربية) هو “الحِجر” (أي: الموضع المنيع). و”الوِجر” : “مثل الكهف يكون في الجبل“، و “وَجرُ الْحَيَوَانِ” : “الْمَغَارَةُ الَّتِي يَأْوِي إِلَيْها فِي الْجَبَلِ“.

إذن الوجار والوجر هو الحِجر والكهف والمغارة، وهو من معاني الحضن.

والحضن هو الضبن. وعليه، يمكن القول أو “ضبن الجبلهو الحِجر في الجبل أو الكهف والمغارة.

ولأن الضبن هو الحقف، إذن الحقف يمكن أن يكون “الحِجر” أو”الكهف” أو”المغارة“.

وهذا يتطابق تماماً مع معنى “أحقاف” في لهجات عرب شمال أفريقيا وغرب مصر.

“حَقفة رومل”، الكهف الذي اتخذه ( إرفين روميل) مقراً لقيادته للقوات الألمانية في شمال أفريقيا.

تأثيل “حقف”

لحسن الحظ ، كلمات اللغة “لاتفنى” ولا تختفي الى الأبد، الكلمة التي يُعتقد انها تعرضت للفناء ولم تعد موجودة، هي في الواقع لاتزال “حية ومُنتِجة” ولكن بصيغ اخرى طرأ عليها بعض التغيرات الصوتية والصرفية والدلالية.

أهم هذه التغيرات تشمل:
1- القلب المكاني مثل: “صاقعة” و”صاعقة”، الفرق هو “قلب مكاني” بين “القاف” و”العين” في الصيغة الثانية، لأن الصاقعة من أسماء الصاعقة.

2- الإبدال الصوتي مثل: “مد” و “مط”، الفرق هو إبدال الـ”دال”” طاءاً” في الصيغة الثانية، لأن المعنى الأصلي للكلمتين واحد. وهناك أيضاً: “وكر – وجر“، “حِنّاء – هِنّاء“، إلخ.

3- الطرح والزيادة مثل: “جثة – جثمان“، “مر – مرق“، “كب – نكب“، “مس- لمس“، “أراق – أهرق” وغيرها كثير.

الزيادة” الصوتية تحديداً، مهمة بشكل خاص في هذا البحث . زيادة صوت أو مقطع، قد يُنوّع دلالة الكلمة أو قد لا يُحدث تغيير يذكر. من أمثلة ذلك كلمة “أهرق” وهي لغة في “أراق”، جاء في المعاجم العربية: “أهْرَقَ الْمَاءَ = أَراقَ الماء، أي صَبَّهُ، سَكَبَهُ”، زيادة صوت “الهاء” في “أهرق” لم تغير الدلالة.

أيضاً “كب و نكب“، المعنى الأصلي هو: “عَكْس الإتجاة”، ومن ذلك “الإنقلاب”، مثل: “نَكَبَ الجَعْبَةَ: قلبّها ونثر ما فيها” و”كب الإناء: قلبه على رأسه“، زيادة صوت “النون” في “نكب” لم تغير الدلالة الأصلية.

وبالمثل “مس و لمس“، لهما نفس المعنى الأصلي: “مسَّ الشَّيءَ: لمَسه بيده“، زيادة صوت “اللام” في “لمس” لم تغير الدلالة الأصلية.

ملاحظات:

– صوت الحاء في (حقف) يشبه صوت “النون” في: “نكب“، وصوت “اللام” في “لمس” (في الامثلة السابقة) أي أن الأصل هو: “قف” وليس “حقف”. كما أن “الحاء” من الأصوات الأربعة (الهمزة، الهاء، الحاء والعين) غير الأصيلة، من الناحية التاريخية (أو الدايكرونية). هذه الأصوات الأربعة، الأصل فيها الحذف.

– صوت القاف في (قف) إبدال للكاف، لأن القاف، تاريخياً، مجرد صوت تفخيمي للكاف. أي أن الأصل هو: “كف” وليس “قف”.

– هذا يتضح في كلمة: “الكِفّة” (صيغة تأنيث من: كِف) والتي تعني: “النقرة التي فيها عين الماء” (أي التجويف الذي يخرج منه النبع). والنقرة هي: الحفرة، ومنها المِنْقَرُ: وهي “بئر ضيقة الرأْس تحفر في الأَرض الصُّلْبَةِ

– “كف” هذه، من الواضح أنها الصيغة الأصلية لكلمة: “كهف”، لأن “كهف” لاتزال تنطق في بعض مناطق الجزيرة العربية “كف” بدون “الهاء”، ولأن هذه “الهاء” من الأصوات الأربعة (الهمزة، الهاء، الحاء والعين) غير الأصيلة، من الناحية التاريخية (أو الدايكرونية).

– لفهم ألاعيب اللغة وأساليبها الماكرة، يمكن إجراء “قلب مكاني” بين “الهاء” و”الكاف” في كلمة: “كهف” لتصبح: “هكف“. هذه الاخيرة تبدو كما لو كانت “لُغَيّة” في: “حقف“، وذلك لأن “الحاء” هي: “الهاء البلعومية” (الهاء المبحوحة)، و”القاف” هي: “الكاف اللهوية” (الكاف المفخمة).

للمزيد عن “الُغَيّات/byforms” إضغط هنا

هذا القلب المكاني يمكن اجراؤه في كلمة “حقف” نفسها بحيث تصبح “قحف“. هذه الصيغة المقلوبة موجودة في المعاجم العربية كـ”عديلة/doublet” خفيّة لـ “قُف” لأنهما تحملان نفس المعنى الأصلي وهو :التجوف والتقعر، والتقبب والتحدّب. “القف” (أو القفة) تطلق على كومة الحجارة والتراب وكذلك على الوعاء المستدير المصنوع من الخشب أو سعف النخل، أما “القحف” فتطلق على “الجمجمة الفارغة المجوفة”، وكذلك على “نصف القرعة المجوف اليابس” (اليقطين).

للمزيد عن “الأعدال/doublets” إضغط هنا

حقف وأحقاف

كلمة “حقف”، كلمة متطورة عن جذم أصلي (etymon)، ولهذا الجذم القديم لُغَيّات (byforms) وأعدال (doublets)، قريبة وبعيدة.

للمزيد عن “الجذم/etymon” إضغط هنا

“حقف” أيضاً لها “جذيرات” (cognates)، موجودة في شقيقات اللغة العربية (اللغات السامية)، بل وحتى في العائلات اللغوية الأخرى.

الـ”جذيرة/cognate” هي: “كلمة لها صلة قرابة بكلمة أخرى في لغة أخرى، ولهما جذر مشترك قديم”. مثال لذلك: الكلمة العبرية: ” צֶלֶם/صلم”، والعربية: “صنم”، كل منهما “جذيرة” للأخرى.

تفكيك “حقف”

لإستكشاف لُغَيّات وأعدال وجذيرات كلمة “حقف”، من المهم الوصول الى الجذم (إيتيمون/etymon) الذي تطورت منه هذه الكلمة، وكذلك الجذر الدلالي (السيمة/ seme)، لهذا الجذم. يتم هذا الأمر عبر تفكيك (deconstructing) هذه الكلمة ودراسة أصواتها (الفونيمات/phonemes) ومقاطعها (syllables) المختلفة. يلي ذلك وضع هذه الكلمة في حقلها الدلالي، لاستنباط مرادفاتها وصيغها المختلفة.

قبل البدء من المهم إستخدام الجرافيمات السامية، وذلك لتسهيل عملية التفكيك والتحليل. (للمزيد إضغط هنا).

الحرف: “” يرمز لصوت الحاء.

الشكل: “” يرمز الى تصفير الصوت، أي الى حذفه.

الكلمة الجذرية لـ(حقف) هي: (حَقَفَ):

a-qa-fa

1- الأصوات الاربعة (همزة،هـ،ح،ع)، من الناحية التاريخية، ليست أصلاً في البناء، والمطلوب الآن هو حذف مقطع الصوت الحلقي: “حَ/a“.

aqafa → qafa → qafa

(إذن الصيغة الأقرب للأصل هي “قف” وليست “حقف“، أي بعد حذف صوت الحاء.)

2- القاف (q) صوت لهوي يسمى (الكاف اللهوية) أو (الكاف المفخمة)، والمطلوب الآن هو إزالة هذا التفخيم:

qafa → kafa

(إذن الصيغة الأقرب للأصل هي “كف” وليست “قف“، أي بعد ترقيق صوت القاف.)

يُلاحظ تشابه kafa مع الإنجليزية cave التي تعني كهف، لأن اللغات الهندوأوروبية والسامية تشترك في الكثير من الكلمات المعجمية.


3- الفاء (f) صوت غير أصيل، والغرض من وجوده هو الحلول محل الباء المهموسة السامية: (p)، لأن هذه الباء غير موجودة في اللغة العربية، والمطلوب الآن هو العودة الى الأصل:

kafa → kapa

(إذن الصيغة الأقرب للأصل هي “كپ” وليست “كف“، أي بعد تشديد صوت الفاء الرخو.)


4- من الناحية التاريخية، الباء المهموسة (p) والباء المجهورة (b) تتبادلان المواقع بحرية (free variants).

kapa = kaba

إذن، الكلمة الجذرية الأصلية التي تطورت منها كلمة “حقف” هي: “kapa” (كپ)، وجذر الصوتي هو: [k-p] (ك.پ). ولكنها يمكن أن تنطق أيضاً : “kaba” (كب)، بجذر صوتي هو: [k-b] (ك.ب).

أقدم كلمة سامية معروفة بهذا الجذر هي الكلمة الأكدية: “kappu” أو “kāpu“.

هذه الكلمة الأكدية، هي أقدم جِذم (etymon) معروف للكلمة القرآنية: “أحقاف”.

الأحقاف

اذا كان معنى الأحقاف هو كهوف أو (أكهاف)، فالمتوقع أن ينصرف الذهن إلى تخيل مكان جبلي مليء بالمغارات والتجاويف الصخرية، لكن ليس شرطاَ أن يكون الأمر كذلك.

“المكان” قد يكتسب اسمه من صفة قديمة لأحد أكنافه، أو لمعلم بارز فيه، هذه الصفة ما تلبث أن يُتوسع في استخدامها، حتى تُمسي اسماً علماً لكامل الإقليم أو الناحية.

من أمثلة ذلك: الأحساء والأنبار والجزائر.

(الاحساء)، قيل هي: مناهلٌ قريبة للمياه تُحتفر، او هي عيون الماء. هذه المناهل أو العيون كانت فقط في واحة الاحساء، ولم تكن في كل ناحية من نواحي تلك البلاد الفسيحة.


(الأنبار)، قيل هي: الأهراء او (المستودعات)، وهي حُجرات تُتخذ لتخزين السلع والغِلال. هذه الحُجرات الصغيرة مَنحت إسمها لإقليم الأنبار الشاسع.


(الجزائر)، إسم كان يخص فقط المدينة الساحلية المعروفة، قبل أن يصبح إسماً لبلاد الجزائر مترامية الأطراف. قيل في معناها: أنها جمع جزيرة، بمعنى: قطعة أو “خِطة” (un plan hippodamien) ”جمعها خِطط“، تصنعها خطوط متقاطعة، والمقصود هو: المخططات السكنية أو “القطائع“، كما كانت تسمى في مصر الطولونية.

لماذا الربط بالرمال؟

عند الحديث عن معنى الاحقاف، كثيراً ما يتم ربطها بالرمال أو “جبال الرمل”! هذا الربط قد يكون نتيجة عدم تمعن فيما تقوله المعاجم القديمة بهذا الخصوص.

التعريفات الدلالية في تلك المعاجم يغلب عليها الإسترسال المضطرب، ومحاولة التوفيق بين اقوال أهل اللغة في معنى هذه الكلمة او تلك.

هذا الأمر يتضح في الخلط بين التخصيص والتوسع. فقد يبدأ المعجمي بذكر المعنى الموسع للكلمة، بدون الإشارة الى أن هذا المعنى يعتبر توسع في دلالة الكلمة، التي كانت تخص فقط صفة أو جزء من أجزاء المدلول. وقد يستدرك هذا الامر لاحقاً ليقول لنا أن الدلالة الأصلية لهذه الكلمة أضيق بكثير مما ذكره في بداية الحديث. من أمثلة ذلك قولهم أن “القصواء” من أسماء الناقة، ثم نقرأ لاحقاً وفي نفس الصفحة أن “القصواء” هي الناقة مقطوعة الإذن!

الاحقاف والرمال على هذا المنوال، ففي لسان العرب نقرأ أن الحقف ياتي بمعنى:”جبل الرمل” ثم لاحقاً يُخَصِص هذا المعنى ويقول: الحقف هو:”أصل جبل الرمل“!

أصل الشيء أسفله والمقصود هو الجزء السفلي الغائر من كثيب الرمل المتقوس. علامة ذلك، المثال الشهير: أن النبي رأى “ظبياً عاكفاً في حقف من الرمل“. أي أن الرمل يمكن ان يكون على هيئة “حقف” أو تجويف غائر، أما كثيب الرمل نفسه فليس بحقف، مالم يتقعر أسفله.

أحقاف من الرمل وليست أحقاف.

من ناحية أخرى، القول بأن قوم هود كانوا ينزلون الرمال أو أن منازهم كانت الرمال.

الصحراء الرملية يسميها العرب القدماء “الرملة” ولازالت تعرف بهذا الاسم بين أبناء البادية.

الرملة، من نزلها فقط هلك! لأن الناس تنزل أطراف الأودية، والبراري ذات الماء والكلأ، ولا تقرب الكثبان الصفراء الا للعبور الإضطراري. جاء في القرأن الكريم على لسان النبي هود: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)، الجنات هي المزارع والبساتين، أما العيون فهي الينابيع الغزيرة، ذات الفجاج الواسعة، كأنها بحيرات عذبه. وفي موضع آخر: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا، بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).

بعد البحث في معنى “أحقاف” من المهم تلمس أي إشارات عن شعب عاد، من هم؟ وكيف كانوا؟ وهل لهم بقايا وآثار يمكن من خلالها إماطة اللثام، ولو قليلاً، عن وجه هذا اللغز التاريخي الكبير؟

قبور عاد

جاء في معنى “الآرام” أو “الأُرومُ” أنها “الأعلام”، والمفرد منها: “عَلم” وهو الجبل أو الركام المرتفع.

من معجم “لسان العرب”

هذه الدلالة لكلمة “عَلم” هي نفسها المقصودة في الآية الكريمة: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}، أي أن كل قارب من هذه القوارب يبدو كما لو كان جبلاً.

المهم في الأمر أن هذه “الآرام” أو “الأُرومُ” تطلق أيضاً على “قبور عاد“، لماذا؟

لانهم (أي عاد)، يبنونها كالأعلام، كما جاء في المعاجم العربية القديمة.

بكلمات أخرى: “الأرم” إسم من أسماء القبر، ولكنه قبر يشبه “العَلم“، أي الجبل أو الكومة العالية. وقبور عاد، كانت على هذا النحو، أي أنها تشبه الأعلام.

من معجم “القاموس المحيط”

للتأكيد على هذا الأمر، هناك أيضاً كلمة: “كَتَّرُ” أو “كِتْرُ” التي تدل على التقبب والإرتفاع، وتطلق على القبة وسنام البعير وما شابه ذلك.

النص أعلاه مصور من معجم “القاموس المحيط”، وفيه إشارة الى أن قبور عاد تشبه القباب.

قبور ركامية كأنها الجبال Burial mounds البحرين 1919
صورة جوية لمئات القبور الركامية، في ناحية يبرين بمحافظة الأحساء

لحسن الحظ، القبور القديمة في الجزيرة العربية مصنفة ومعروفة، وتمت دراستها جيداً من قبل الآثاريين والمؤرخين، ويمكن تقسيمها الى قسمين: (يهودية/مسيحية/إسلامية) اضافة الى القسم الآخر وهو (القبور الوثنية).

أنواع القبور الوثنية معروفة، ومن أشهرها ما يسمى “القبور الركامية” أو “القبور التلّية” لأنها تشبه التلال، والمفرد منها: قبر ركامي أو تَلّي، ويسمى بالانجليزية: (burial mound) أو (tumulus).

هذا النوع من القبور هو المقصود “بقبور عاد” لأنها على هيئة “عَلم” أي “جبل“.

القبور الركامية التي كأنها جبال، لاتوجد بشكل ملحوظ الا في بعض نواحي الجزيرة العربية، هذه النواحي تشمل: بلاد البحرين التاريخية، (جزر البحرين والكويت وقطر والقطيف والأحساء، بما في ذلك يبرين). إضافة الى بعض المناطق الشرقية من بلاد اليمامة، وخصوصاً منطقة الخرج وما حولها.

المناطق التي تنتشر فيها القبور الركامية أو التلية

الآن أصبح لدينا مؤشر جيد، على موقع الديار التي عاش فيها بعض تلك الأقوام القديمة الغامضة، ولكن هل توجد مؤشرات أخرى أكثر وضوحاً، الإجابة: نعم!

بلاد البحرين وبلاد اليمامة كانتا مسرحاً لأشهر قبائل عاد المذكورة في الكتب العربية والاسلامية القديمة. من بين هذه العشائر والقبائل: جَديس وطسم.

من معجم (لسان العرب)، تحت مادة (جدس).

النص أعلاه مصور من معجم “لسان العرب” لابن منظور، وفيه تصريح واضح بأن جَديس وطسم جزء من شعب عاد قوم هود.

حي من عاد” تعني: نزيعة أو عشيرة من قوم عاد. من المهم أيضاً، عند إعادة النظر في هذا التعريف، ملاحظة أن جَديس تبدو مشتقة من جَدس، التي تعني: دَرَسَ (أي باد وانقرض). وكذلك الأمر مع طسم التي تبدو مشتقة من دسم، التي تعني أيضاً: دَرَسَ (أي باد وانقرض). هذا المعجم يشير أيضاً الى أن دسم لغة في دمس وهذه الأخيرة تبدو كما لو كانت لغة في طمس. هذا من شأنه تعزيز ما ذهب اليه بعض المؤرخين المحدثين بأن الأسماء الواردة في حكايات العرب قبل الأسلام، قد تكون مختلَقة ومخترَعة من قبل كُتاب العصور الاسلامية اللاحقة، وليست الأسماء الحقيقية لتلك الشعوب والأماكن الموغلة في القِدم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *